صفحة 1 من 1

قال الإمام ‏‎ابن القيم في تعريفِ الإيمانِ هو حقيقةٌ مُرَكَّبةٌ من: معرفةِ ما جاء به الرَّسولُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم

مرسل: الاثنين يوليو 25, 2022 7:41 pm
بواسطة Osama Badr
صورة

قال الإمام ‏‎ابن القيم في تعريفِ الإيمانِ: (هو حقيقةٌ مُرَكَّبةٌ من: معرفةِ ما جاء به الرَّسولُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عِلمًا، والتصديقِ به عَقْدًا، والإقرارِ به نُطقًا، والانقيادِ له محبَّةً وخُضوعًا، والعَمَلِ به باطنًا وظاهرًا، وتنفيذِه والدَّعوةِ إليه بحسَبِ الإمكانِ)
يُنظر: ((الفوائد)) لابن القيم (ص: 107).

وقال أيضًا: (إنَّ الإيمانَ قَولٌ وعَمَلٌ، والقَولُ قَولُ القَلبِ واللِّسانِ، والعَمَلُ عَمَلُ القَلبِ والجوارحِ، وبيانُ ذلك أنَّ مَن عَرَف اللهَ بقَلْبِه ولم يُقِرَّ بلسانِه، لم يكن مؤمِنًا، كما قال تعالى عن قومِ فِرعَونَ: "وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ "[النمل:14].
وكما قال عن قَومِ عادٍ وقَومٍ صالحٍ:"وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ "[العنكبوت:38].
وقال موسى لفِرْعَون: " قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ " [الإسراء:102].
فهؤلاء حَصَّلوا قَولَ القَلْبِ -وهو المعرفةُ والعِلمُ- ولم يكونوا بذلك مؤمنين، وكذلك من قال بلِسانِه ما ليس في قَلْبِه، لم يكن بذلك مؤمنًا، بل كان من المنافِقين.
وكذلك: من عرف بقَلْبِه وأقَرَّ بلِسانِه، لم يكن بمجَرَّدِ ذلك مؤمنًا حتى يأتيَ بعَمَلِ القَلبِ مِن الحُبِّ والبُغضِ والموالاةِ والمعاداةِ، فيُحِبُّ اللهَ ورَسولَه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ويُوالي أولياءَ اللهِ، ويعادي أعداءَه، ويستسلِمُ بقَلْبِه لله وَحْدَه، وينقادُ لمتابعةِ رَسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وطاعتِه والتزامِ شَريعتِه ظاهرًا وباطنًا، وإذا فَعَل ذلك لم يكْفِ في كمالِ إيمانِه حتى يفعَلَ ما أُمِرَ به، فهذه الأركانُ الأربعةُ هي أركانُ الإيمانِ التي قام عليها بِناؤُه)
يُنظر: ((عدة الصابرين)) (ص: 109)

وقال أيضًا: الإيمان هو التصديق ولكن ليس التصديق مجردا اعتقادا صدق المخُبِر دون الانقياد له ولو كان مجرد اعتقاد التصديق إيمانا لكان إبليس وفرعون وقومه وقوم صالح واليهود الذين عرفوا أن محمدا رسول الله كما يعرفون أبناءهم مؤمنين مصدقين.

وقد قال تعالى: { فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ} أي يعتقدون أنك صادق {وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ } والجحود لا يكون إلا بعد معرفة الحق قال تعالى: { وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً } وقال موسى لفرعون: { لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ } وقال تعالى عن اليهود: { يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } .

وأبلغ من هذا قول النفرين اليهوديين لما جاءا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وسألاه عما دلهما على نبوته فقالا نشهد أنك نبي فقال: "ما يمنعكما من اتباعي" قالا إن داود دعا أن لا يزال في ذريته نبي وإنا نخاف إن اتبعناك أن تقتلنا اليهود. فهؤلاء قد اقروا بألسنتهم إقرارا مطابقا لمعتقدهم أنه نبي ولم يدخلوا بهذا التصديق والإقرار في الإيمان لأنهم لم يلتزموا طاعته والانقياد لأمره.

ومن هذا كفر أبي طالب فإنه عرف حقيقة المعرفة أنه صادق وأقر بذلك بلسانه وصرح به في شعره ولم يدخل بذلك في الإسلام فالتصديق إنما يتم بأمرين: أحدهما: اعتقاد الصدق والثاني: محبة القلب وانقياده ولهذا قال تعالى لإبراهيم: { أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا } وإبراهيم كان معتقدا لصدق رؤياه من حين رآها فإن رؤيا الأنبياء وحي وإنما جعله مصدقا لها بعد أن فعل ما أمر به.

وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "والفرج يصدق ذلك كله أو يكذبه". فجعل التصديق عمل الفرج لا ما يتمنى القلب والتكذيب تركه لذلك وهذا صريح في ان التصديق لا يصح إلا بالفعل.

وقال الحسن: ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل. وقد روي هذا مرفوعا الكامل لابن عدي.

يُنظر: ((الصلاة وأحكام تاركها)):( ص50 )